لسان الدين ابن الخطيب

81

الإحاطة في أخبار غرناطة

الاقتحام والتّسوّر ، قادر على اللّصوق بالأشراف . رمى بنفسه على مشيخة الوقت يطرقهم طروق الأمراض الوافدة ، حتى استوعب الأخذ عن أكثرهم ، يفكّ عن فائدته فكّ المتبرّم ، وينتزعها بواسطة الحيا ، ويسلّط على قنصها جوارح التبذّل والإطراء ، إلى أن ارتسم في المقرئين بغرناطة ، محوّلا عليه بالنّحب والملق ، وسدّ الترتيب المدني ؛ ولوثة تعتاده في باب الرّكوب والثّقافة « 1 » ، وهو لا يستطيع أن يستقرّ بين دفّتي السّرج ، ولا يفرق بين مبسوط الكف ، أخذ نفسه في فنون ، من قرآن ، وعربيّة ، وتفسير ، وامتحن مرّات لجرّ حركة القلقلة الذي لا يملك عنانه ، ثم تخلّص من ذلك ، وهو على حاله إلى الآن . مشيخته : قرأ على الخطيب ببسطة ، وأبي الأصبغ بن عامر ، والخطيبين بها أبي عبد اللّه وأبي إسحاق ابن عمّه ، وأبي عبد اللّه بن جابر ، وعلى أبي عثمان بن ليون بألمريّة ، والخطيب أبي عبد اللّه بن الغربي بحمّة « 2 » . وتلا القرآن بقراءاته السبع على شيخنا أبي عبد اللّه بن الوالي العوّاد . وروى عن شيخنا أبي الحسن بن الجيّاب ، وعلى الحاج أبي الحجاج الساحلي ، فكتب الإقراء ، وأخذ الفقه عن الأستاذ أبي عبد اللّه البيّاني « 3 » . وقرأ على قاضي الجماعة أبي القاسم البيّاني ، وقرأ على قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني . ولازم أستاذ الجماعة أبا عبد اللّه الفخّار ، وقرأ عليه العربية ، وصاهره على بنته الأستاذ المذكور ، وانتفع به ، إلى أن ساء ما بينهما عند وفاة الشيخ فرماه بترمية بيضاء تخلّقها ، مثيرة عجب ، مرّة . وحاله متصلة على ذلك ، وقد ناهز الاكتهال . أحمد بن حسن بن باصة الأسلمي المؤقّت بالمسجد الأعظم بغرناطة أصله من شرق الأندلس ، وانتقل إليها والده ، يكنى أبا جعفر . حاله : كان نسيج وحده ، وقريع دهره ، معرفة بالهيئة ، وإحكاما للآلة الفلكية ، ينحت منها بيده ذخائر ، يقف عندها النظر والخبر ، جمال خطّ ، واستواء صنعة ، وصحة وضع ، بلغ في ذلك درجة عالية ، ونال غاية بعيدة ، حتى فضل بما ينسب إليه

--> ( 1 ) الثّقافة : الطعن بالرماح . لسان العرب ( ثقف ) . ( 2 ) الحمة أو الحامة : بالإسبانية Alhama ، وهي من مدن غرناطة ، وتقع غربي غرناطة إلى الجنوب من مدينة لوشة . استولى عليها الإسبان سنة 887 ه ، أي قبل سقوط غرناطة بعشر سنين . راجع مملكة غرناطة ( ص 60 ) . ( 3 ) البيّاني : نسبة إلى بيّانة Baena ، وهي مدينة من أعمال قرطبة . الروض المعطار ( ص 119 ) .